ابن أبي الحديد
111
شرح نهج البلاغة
فقال أخشنوار : لا يغرنك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك ، فإن الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلام آخر ، إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغتر بأمان ، أو يثق بعهد ! وإذا ما قبل الناس شيئا مما كانوا يعطون من ذلك ، ولكنه وضع على العلانية ، وعلى نية من تعقد له العهود والشروط . ثم انصرف . فقال فيروز لأصحابه : لقد كان أخشنوار حسن المحاورة وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب ، فإنه لم يزل قوائمه ، ولم يرفع حوافره عن مواضعها ، ولا صهل ، ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا . وقال أخشنوار لأصحابه : لقد وافقت فيروز كما رأيتم وعليه السلاح كله ، فلم يتحرك ، ولم ينزع رجله من ركابه ، ولا حنى ظهره ، ولا التفت يمينا ولا شمالا ، ولقد توركت أنا مرارا ، وتمطيت على فرسي ، والتفت إلى من خلفي ، ومددت بصرى فيما أمامي ، وهو منتصب ساكن على حاله ، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني ، وإنما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينشر هذان الحديثان في أهل عسكرهما فيشتغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكرا . فلما كان في اليوم الثاني أخرج أخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز ، ونصبها على رمح ليراها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره وبغيه ، ويخرجوا من متابعته على هواه ، فما هو إلا أن رأوها ، حتى انتقض عسكرهم واختلفوا ، وما تلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا ، وقتل منهم خلق كثير ، وهلك فيروز ، فقال أخشنوار لقد صدق الذي قال ، لا مرد لما قدر ولا شئ أشد إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللجاج ، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها ، والصبر على مكروهها ، ولا أسرع عقوبة وأسوأ عاقبة من البغي والغدر ، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من الانف وإفراط العجب ( 1 ) .
--> ( 1 ) عيون الأخبار 1 : 117 - 121 .